English Site

Wednesday, November 2, 2011

علاء عبد الفتاح يكتب من خلف القضبان : عودة لسجون مبارك

علاء عبد الفتاح :
لم أكن أتوقع أن تتكرر التجربة بعد مرور خمسة أعوام، بعد ثورة أطحنا فيها بالطاغية ، أعود إلى سجونه؟!

تعود إلىَّ ذكريات الحبس، كل التفاصيل، من مهارات النوم على الأرض مع ثمانية زملاء فى زنزانة ضيقة (٢ x ٤ أمتار)، لأغانى السجن وحوارات الجنائيين. ولكنى أعجز تماما عن تذكر كيف كنت أحافظ على نظارتى أثناء النوم. دُهِسَت ثلاث مرات فى يوم واحد. أدرك فجأة أنها نفس النظارة التى صحبتنى فى حبسة القضاة ٢٠٠٦، وانى محبوس، الآن، احتياطيا أيضا، على نفس نوعية التهم الفضفاضة والأسباب الواهية لتلك الحبسة، الفرق الوحيد أننا استبدلنا نيابة أمن الدولة بالنيابة العسكرية: تغيير يليق باللحظة العسكرية التى نحياها.

المرة السابقة، شاركنى الحبس خمسين زميلا من حركة «كفاية»، أما الآن فأنا وحيد، يشاركنى ثمانية مظاليم، المذنب منهم مظلوم كما البرىء.

ما أن عرفوا انى من «شباب الثورة»، حتى انطلقوا فى لعن الثورة وكيف فشلت فى «لَمّ» الداخلية. أقضى أول يومين أستمع فقط إلى حواديت التعذيب على يد شرطة تصر ألا تنصلح، بل وتنتقم لهزيمتها على أجساد الغلابة، البرىء منهم والمذنب.

من حواديتهم أكتشف حقيقة الإنجازات العظيمة لعودة الأمن. اثنان من زملائى يرون الأقسام والسجون لأول مرة، شباب بسيط بلا ذرة عنف وتهمتهم؟ تشكيل عصابى! نعم، أبوملك وحده عبارة عن تشكيل عصابى مسلح. الآن عرفت ما تقصده وزارة الداخلية وهى تخرج علينا كل يوم بأخبار القبض على التشكيلات العصابية. هنيئا لنا عودة الأمن إذن.

فى الساعات القليلة التى يدخل فيها نور الشمس الزنزانة المظلمة دائما، نقرأ ما نقشه بخط عربى بديع على الحائط زميل سابق، أربعة حوائط من الأرض للسقف مغطاة بقرآن وابتهالات وأدعية وخواطر، وما يبدو كرغبة طاغية فى التوبة.

اليوم التالى نكتشف فى الركن تاريخ إعدام الزميل، ويتملكنا كلنا البكاء.

يخطط المذنبون للتوبة. أما الأبرياء فلا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا ليتفادوا نفس المصير.

أسرح عنهم فى الراديو، وأستمع لخطاب سيادة اللواء وهو يفتتح أطول علم فى العالم، الذى سيدخل بالتأكيد موسوعة الأرقام القياسية. وأتساءل: هل الزَجّ باسم الشهيد مينا دانيال كأحد المحرضين فى قضيتى رقم قياسى فى الصفاقة؟ على أساس انهم أول من يقتل القتيل ولا يكتفى بالمشى فى جنازته، وإنما يبصق أيضا على جثته ويتهمها بالجريمة؟ أو ربما تفوز هذه الزنزانة بالرقم القياسي فى عدد الصراصير؟ يقاطع أفكارى أبوملك: "والله العظيم لو ما نَصَفِت المظلوم، الثورة دى مش هاتنجح" .

اليوم الثالث، 1 /11 /2011
الزنزانة ١٩، سجن الاستئناف، باب الخلق

1 comment:

  1. سلام اذن لكل الساكتين .. سجين أخر .. كان ابا أخر .. و كان زوجا أخر .. المهم انه ليس أنا !
    لماذا كل هذه البلادة ايتها الشوارع التي بالكاد احتمل صخب استفزازها ..؟ استباحة دم هنا و تحرش هناك .. لماذا اذن يملأ الاطفال الموت و يملأ أعينهم التشوه ؟
    كان ينثر الدماء نزيفا بالبكاء .. يا سيدي خليك واقعي .. كم ذبحناهم بسكين خليك و اقعي التلم ! كلام .. ينعل كسم الكلام اللي مايفرحش مسجون و ميطبطبش علي كتف خايف بائس مظلوم ! ينعل كسم الادب الي مايمنعش الدموع من الرجوع ! مش حنموت من الحق بس من اليأس كل يوم ممكن نموت .. تيجي نيأس شوية .. ولا أقولكم لا تقنطوا ( هكذا تعلمناها في صفوف الدراسة علي مقاعد الفصل التي يغلفها الصدأ ) .. ينكمش يناير و ثورته في ركن ما يرتجف .. و المراجيح تملأ الاحياء ووحدي كنت أحاول احتساء الشاي محاولا الانزواء في بقعة ما حتي لا أري خوفي و خوفهم المتدلي من سقف الغرفة .. دمعة اخيرة ليتقاسمها ابنائي و حيطان السجناء .. لا عزاء .. لا عزاء .. فسيبقي القتيل علي مابه أجل و أعظم من قاتليه.

    ReplyDelete